Menu
الخميس 19 كانون الثاني 2017

محمد مهدي عاكف..الشهيد الحي

محمد مهدي عاكف..الشهيد الحي
شعبان عبدالرحمن
يمثل الأستاذ محمد مهدي عاكف (89 عاما) المرشد السابق (السابع) للإخوان المسلمين جزءا مهما من تاريخ مصر، فهو أحد قادة الحركة الطلابية المناهضة للاحتلال الانجليزي، وقد أصدر رئيس الوزراء المصري قرارا بفصله من جميع مدارس مصر عقابا له على ذلك. شارك في الإعداد للجهاد على أرض فلسطين وهو من أبرز قادة مقاومة الاحتلال على ضفاف قناة السويس، وتشهد له مدن القناة ومعسكرات الجامعات المصرية بتاريخ ناصع وسجل حافل في سبيل تحرير بلاده، فقد فتح له رؤساء الجامعات ساحات الجامعة لإقامة المعسكرات وأهدته إحدى الأميرات سيارة لتعينه على عمله وقد ردها إليها بعد سقوط الحكم الملكي.
ورغم ذلك كان أول من اعتقلهم عبدالناصر ضمن حملته الوحشية عام 1954م لتصفية الإخوان المسلمين استرضاء للصهاينة وقوى الاستعمار، ولأنه رفض طلب عبد الناصر الانضمام إلى هيئة التحرير أخضعه لحفلات تعذيب خاصة في السجن الحربي يشيب لها الولدان حتى أصيب جسده بالشلل وسرح فيه الدود وأشيع خبر وفاته، وبناء على تلك الإشاعة ألصق به كل المعتقلين ما وجه إليهم من تهم باعتبار أنه بات في عداد الموتى..هكذا قال لي في حوار صحفي عقب انتخابه مرشدا عاما عام 2004م.
لكن إرادة الله قضت أن يعيش وينتصر على سجانه المجرم.. عاش محمد مهدي عاكف ماشاء الله له أن يعيش بينما مات كل سجانيه ومعذبيه، وذهبوا غير مأسوف عليهم إلى مزبلة التاريخ بدءا من عبد الناصر وانتهاء بحمزة البسيوني وصلاح نصر.
عاش محمد مهدي عاكف حتى أصبح مرشدا عاما للإخوان المسلمين وملأ الدنيا حركة ودعوة لدين الله حول العالم.
ذلك المشهد الذي حدث معه قبل اثنين وستين عاما (1954م) في سجون عبد الناصر يتكرر اليوم في سجون السيسي إذ تم اعتقاله قبل ثلاث سنوات إبان الانقلاب العسكري، لكنه هذه المرة كان شيخا كبيرا (89عاما)، فلم يرحم المجرمون شيخوخته وأمراضه، ووضعوه في سجن انفرادي شديد الحراسة وحرموه من العلاج والدواء، سعيا لكسر إرادته والظفر بكلمة تأييد واحدة لانقلابهم، ولكن الجبل مازال صامدا مرفوع الهامة، وإن كان الجسد ممدا تحت تكالب الأمراض.
نفس الإشاعة تطوع بها يوم السبت 7 يناير 2017م بعض المتسرعين من فاقدي الخبرة أو فاقدي الضمير بإعلان خبر وفاته الذي نفته ابنته الفاضلة #علىاء_محمد_مهدي_عاكف على حسابها على فيس بوك.
إن الأعمار بيد الله.. ولكل أجل كتاب، ولا أدري بعد كتابة هذه السطور كيف يكون حال الرجل وان كنت أتمنى له الشفاء وتمام الصحة.
وسواء مات الأستاذ محمد مهدي عاكف - حفظه الله وشفاه - أو عاش فقد كتب الرجل كلمته في تاريخ البشرية وترك سجلا حافلا بالكفاح والجهاد والتضحيات، من صحته وماله وجهده ووقته على مدى ستة وسبعين عاما في دعوة الإخوان المسملين (1940- 2016م) التي نذرت نفسها للدفاع عن الاسلام عقيدة شريعة والدفاع عن الأوطان خاصة إن كانت محتلة، ولئن نطق التاريخ بكلمته الصادقة فلن يقول سوى أنه هو من أخرج الانجليز من مصر بعد أن أوجعهم على ضفاف القناة.
ابن الباشا... ذلك المعدن الفريد من الرجال الذي قضى في مدرسة الإخوان المسلمين 76 عاما من حياته، وظل خلالها في مقدمة الصفوف قريبا من مؤسسها الإمام البنا ثم المرشدين الخمسة الذين سبقوه.. ثم المرشد الثامن الدكتور محمد بديع.
هذا العملاق الوطني واجه مع جماعته حربا من كل نظم الحكم التي حكمت مصر منذ فاروق حتى اليوم، انتقاما لدوره الوطني، فبدلا من تكريمه زج به في سجون مصر عبر كل العصور، من حكومة إبراهيم عبد الهادي في العهد الملكي مرورا بحكم عبد الناصر والسادات ثم مبارك والسيسي، أنه بحق سجين كل عصور الطغاة!
أتركه يتحدث عن سجونه وما لاقاه فيها من أهوال على يد الطغاة في الحوار الذي أجريته معه عام 2004م عقب اختياره مرشدا للإخوان ونشر في مجلة المجتمع على أربعة أعداد (1614- 1617).
يقول : في اليوم التالي لقتل النقراشي تم القبض علي وعلى آخرين، وتم احتجازنا في سجن بمنطقة الهايكستب ولم يُحقق معنا في شيء، فلم يكن لنا صلة بحادث الاغتيال.. وكان معنا في السجن بعض اليهود.. وكان معنا ــ أيضاً ــ كبار الشيوعيين مثل هنري كورييل وروماندريك ومجموعة من الشيوعيين اليهود.. وعند بداية الهدنة الأولى في حرب 1948م ـ وهي سبب المصائب كلها ـ أقام اليهود داخل السجن احتفالاً، لأن الهدنة فكت الحصار عن 120 ألف يهودي كانوا محاصرين في القدس.. وكنا في الزنزانة حوالي 12 أخاً وكانوا يطلقون علينا أولاد الباشوات ـ وكنا فعلاً كذلك ـ وكنا نغلي من داخلنا.. كيف أن دماء شهدائنا لم تجف بعد في فلسطين، واليهود بجوارنا في السجن يحتفلون ويحتسون الخمر ويحدثون صخباً! فقررنا أن (ننكد عليهم)، وكان شراب الكوكاكولا قد ظهر في بدايته فملأنا زجاجات فارغة كانت لدينا رمالاً وجعلنا أحد الإخوان يطفئ أنوار السجن.. وقذفنا بالزجاجات من الشبابيك عليهم.. ثم عدنا وجلسنا على أسرّتنا، وكأن شيئاً لم يحدث، بينما اليهود يضربون في بعضهم البعض.. وهم سكارى.
وبعد تلك الواقعة بأسبوع تم تحويلنا إلى سجن الطور، ثم وقع البلاء المبين، حيث قبضوا على مجاهدي الإخوان، وأتوا بهم من ميدان الجهاد في فلسطين إلى المعتقل.
وبعد زوال الحكم الملكي وجلاء الانجليز عن مصر وفي يناير 1954م، نظم الإخوان احتفالا بذكرى شهداء القنال ودعا الاستاذ عاكف «نواب صفوي» رئيس فدائيي الإسلام في إيران لهذا الاحتفال حيث، ألقى خطبة في جامعة فؤاد الأول «القاهرة الآن»، وحدث خلاله احتكاك بين أنصار الإخوان وهيئة التحرير التي ظهرت حديثا (الاتحاد الاشتراكي فيما بعد).
يقول الاستاذ عاكف :» وكان عبدالحكيم عامر، وكمال الدين حسين، كانا يريدان مني أن أكون عضواً في هيئتها – بطلب من عبد الناصر - ولكني رفضت، فظل عبدالناصر ذاكراً ذلك لي». بعد ذلك تم حل جماعة الإخوان وألقي القبض على عدد من قياداتها وقام عاكف بتسليم نفسه حيث مكث في السجن شهرا، وأفرج عنه وعن المعتقلين عند زيارة الملك سعود.
يقول :» وخرجنا من السجن في آخر مارس، وودعنا الملك وذهب عبدالناصر إلى المستشار حسن الهضيبي المرشد العام في ذلك الوقت في بيته، وهناك كلفني بالبحث عن صورة تنظيمية لتدريب الإخوان، ليكونوا مستعدين لمحاربة الاستعمار في أي بلد، وكنا ساعتها نعد الجزائر لجهاد الاحتلال الفرنسي، ورتبت مشروع الفصائل التي حوكمنا بسببها في محاكمات عام 1954م. وقد كان عبدالناصر متربصاً بي، فقبض علي مبكراً في أغسطس 1954م، وأدخلني السجن الحربي، ولم يكن معي فيه سوى رشاد مهنا الوصي على العرش، ويوسف صديق، وكانا مكرمين، وأنا الذي أُسام سوء العذاب. ولا أنسى روبير اليهودي، الذي كان معتقلاً معنا.. كان يخدمنا ويمسح لنا الزنزانة، ويضع بعض الماء والطعام في فمي وأنا على وشك الموت، وقد تم الإفراج عن روبير هذا، مقابل إفراج الصهاينة عن خمسة آلاف أسير مصري من أسرى حرب 1967م.
روبير هذا لم يكن عسكرياً، بل كان يقوم هو ومجموعة بعمل تفجيرات في الإسماعيلية وأسيوط ثم يشيع أن محمد مهدي عاكف هو الذي يقوم بها، وذلك لدق إسفين بين عبدالناصر والإخوان».
وهكذا من سجن إلى سجن ومن عصر إلى عصر والتهمة الحقيقية واحدة: حرية مصر وتحرير شعبها من قوى الاستعمار وسماسرته!
إن جريمة الإخوان في كل عصر ومصر أنهم يقاومون الاحتلال الاجنبي ويكافحون دكتاتورية النظم المستبدة وفسادها وبيعها للوطن بثمن بخس، فيكون الرد دائما.. سجونا ومعتقلات وقتلا وتشريدا وتلك بضاعة الطواغيت؛ لكن ذلك لن يوقف مسيرتهم ولن يوهن عقيدتهم ولن يطفئ مشعل رسالتهم، هكذا قال مؤسس دعوتهم قبل أن يلقى الله شهيدا، وهكذا يقول مرشدهم في ساحة محكمة الانقلاب: تهون الحياة وكل يهون ولكن إسلامنا لن يهون!

إضافة تعليق

0
عد إلى الأعلى