Menu
الأحد 26 آذار 2017

كُسر الرتاج يا دماج واستبدل بالعذب الأجاج

كُسر الرتاج يا دماج واستبدل بالعذب الأجاج
د. علي العتوم
لمّا نجح الإخوان المسلمون في انتخابات الحكم بمصر، واستلم المِقود الدكتور محمد مرسي فكّ الله أسرهُ، قلت حينها – وأنا أتكلّم مع نفسي بطيبة المسلم - : اقترب إن شاء الله وقتُ تكوين حلفٍ اسلامي يضمّ أنظمةَ بلادٍ إسلامية تبادرت إلى خاطري ورشّحتها لتكون عناصر هذا الحلف المأمول الذي سيعيد مجد الأمّة الإسلاميّة الغابر، وهي الدّول ذات الوزن في محيطنا الإسلاميّ : مصر والسعوديّة وتركيا، ولكنّني لم ألبث أنْ خاب ظّني، وفجعنا جميعاً يوم أن راحت دول الخليج العربي منشأ الإسلام، ومحضن الدّعوة الأصيل، وساحة المقدسات الأولى، تبعث بمئات المليارات من الدّولارات إلى المتمردين في مصر نخباً حزبيّة وقادة عسكرٍ قبل الانقلاب وبعده، لتثبيت أركانه المتهاوية . كل ذلك لقلع نبتة الإخوان السياسيّة واجتثاث غرستهم الحكوميّة من على أرض مصر وغيرها، بل راحت أكثر هذه الدّول تصنّف الإخوان – دونما سابق إنذار - بأنّهم منظّمةٌ إرهابيّة فيما لم يجرؤ عليه الصهاينة أنفسهم أو حتى عدوّة الإسلام العتيقة بريطانيا (العظمى) مع أنّ الإخوان ما كانوا في هذه البلاد إلاّ دعاة خيرٍ ورُسل محبة وعناصر تربية .
أقدم بهذه المقدّمة لكلمتي اليومَ، بعد قراءتي لمقالٍ للكاتب اليمني المتبصّر أبي علاء دماج، بعنوان : (ثمن إزاحة الإخوان) الذي طبّق فيه المفصل في مسألة ما جرى للإخوان في مصر وغيرها ويجري على الساحة العربية والإسلاميّة جرّاء ذلك من تذبيحٍ وتقتيل وحربٍ على الإسلام لا هوادة فيها، وتقصّد للمسلمين من أهل السنّة بهذه الحرب الضروس، لتحلّ محلّها مذاهب الشيعة على أصداء ثاراتٍ قديمة بائدة، بمساعدة القوى الحاقدة على الإسلام أشد الحقد من صليبية وماسونية وإلحاد ووثنية . وممّا قاله الرجل في هذا الشأن - تحليلاً لما جرى من انتكاساتٍ للثورات العربية على نظم العسف والاستبداد في بلادها، وأنّها كانت خسارةً للأمّة شنيعة، استجابةٌ من بعض هذه الأنظمة لتخطيطات أعداء الإسلام - : (لم يخسر العرب طوال تاريخهم الطّويل كما خسروا الآن ومازالوا يخسرون حتّى هذه اللحظة . يخسرون السيادة والأموال والأرواح، تلك الخسارة هي ثمن إزاحة الإخوان المسلمين من الساحة السياسية) ويردف متسائلاً بتعجّب ممّا حدث من حرب على الإخوان : (هل أصبح الحكّام العرب وشعوبهم بلا عقول) ؟!
ويتحدّث الرجل عن بعض ما جرى من انتقاضاتٍ على الثورات الشعبية التي كان صلبَها الإخوانُ المسلمون في بعض بلاد العرب كالإصلاح في اليمن الذي قام على حربه اتباع إيران بالتّعاون مع أتباع حاكمها المخلوع الذي انتهج لبلده سياسة : (عليّ وعلى أعدائي) !! فيقول : (لو بقي الإصلاح – الإخوان - ومضى مشروع الثورة، لكانت اليمن السّورَ المنيعَ الحاميَ للجزيرة العربيّة) تلك البلاد التي ضخّت في خزانة الانقلابيين في مصر مئات المليارات من الدّولارات لاسقاط الإخوان والإتيان بحكم العسكر الذي يعتبره اليهود كنزاً ثميناً لهم ولأمنهم، كما دفعت بعض الدّول العربية كذلك – كما يقول – ولعّلها من دول الخليج (خمسين مليار دولار ثمن الانقلاب الفاشل في تركيا) ويستأنف متعجباً من ظلم حكّام العرب لأنفسهم ولشعوبهم في حقدهم على الإخوان وسعيهم الواصب لإزاحتهم عن الصّدارة، وهم – كما يقول : (لا يريدون إلاّ صناعة نظامٍ عالميٍّ يرتقي بالأمّة إلى أن تكون هي سيّدة الأمم) . ويؤكّد مقسماً أنْ (لو كان الإخوان بيدهم السّلطة وأتمّوا خُطّتهم في توحيد العالم العربيّ والإسلامي، ووصلت هذه الأموال إلى أيديهم واللهِ، لقلبوا بهذه الأموال الطّاولة على الدول العظمى وعلى النّظام العالميّ المتغطرس)، ولكنّها ذهبت سُدىً . وأقول : للشيطان الرّجيم، ولم يكسب هؤلاء المنفقون لهذه الأموال المغصوبة من أموال الشّعب.
نعم، لقد كُسِرَ الرِّتاجُ الذي يستر على الأمّة عورتَها، ويحجز عنها أن يلج إليها الأنجاس من أعداء الله . كُلّ ذلك بسبب نفر من أبناء الأمّة . أضحت بلادهم مستباحةً للغرباء، وأقول : تماماً كما كسر باب المسلمين يوماً بقتل عمر وصاحبيه : عثمان وعليّ، وكما كسر في هذا العصر بإزاحة السلطان عبد الحميد رحمه الله عن قيادة الأمة . وهو كسرٌ يتحمل هؤلاء الحكّام بلا ريب عاقبته الوخيمة . وأقول لدماج وأمثاله من الكتّاب النابهين في هذه الأمة : حقاً ما قلتَ ومرحى لك، فماذا كسب المصريون بإزاحة الإخوان من مصر إلاّ استشراء القتل في شعبها عسكريين ومدنيين وضياع الأمن وانهيار الاقتصاد وزيادة حصار أهل غزّة المظلومين بإغلاق الأنفاق عليهم وبيع الدّولة بعض أراضي مصر جهاراً نهاراً، بينما اتّهم مرسي – زوراً
وبهتاناً – بذلك . وهو – حاشاه - لم يبع أو يُضِع ذرة ترابٍ من تراب مصر العزيزة كما كان يؤكّد على ذلك في خطبه باستمرار ؟! وماذا كسب اليمن بعد الانتقاض على ثورته الإصلاحيّة بقيادة الشعب اليمني وفي مقدّمته الإخوان المسلمون، إلا إمعان الاحتراب الأهلي، وأن يقتل اليمني أخاه اليمني وإبقاء الحرب مشتعلة بين الشوافعة والزيديّة، وما كان هؤلاء يوماً إلا إخوة متحابّين، تطبعهم الحكمة اليمانيّة والإيمان اليمانيّ . وليبيا ماذا استفادت هي الأخرى بمجيء الضابط الذي يصفه عارفوه عندهم بالضّابط الفاشل، إلاّ أنْ أصبحت مقسّمة شذر مذر بين القبائل وبين الفئات المتحاربة على جهلٍ وضلالة وعمى وغيرها وغيرها ؟! وأردف قائلاً للسيد دماج : أجل، كسر الرّتاج، واستبدلَ العملاءُ أو المغفّلون من قادة هذه الأمّة بالماء النّمير والزلال الملح والأجاج، ولكنْ لن يفعل هذا التآمر فعله السيء إلا في نفوسهم المريضة جزاءً وفاقاً . وصدق الله العظيم : (يا أيّها النّاس إنّما بغيكم على أنفسكم، متاعَ الحياة الدّنيا ثمّ إلينا مرجعكم فننبؤكم بما كنتم تعملون)، (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) !!
وإنه لمما يعزّينا أيّها الأخ دماج أنت وغيرك من أبناء الأمّة الواعين، أنّ الإسلام منتصرٌ لا محالة، لأنّه دين الله الحق، وأنّ الإخوان المسلمين كالخيل العراب إن كبت مرّةً فلها عدواتٌ كرّاتٍ وكرّاتٍ، وأنّ الدّعوة مستمرّة رغم آناف الحاقدين والحانقين في الداخل والخارج، (والله غالب على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون) والأيّام دول والحرب سجال، ونحن موقنون أنّه لن يعلوَ أمرُ اللات المفتراة على أمر الله رب الأرباب، ولن يسبق أبو جهلٍ الخسيس رسول الله عليه الصلاة والسلام . وإنّنا نحن الإخوانَ معتزّون بدعوتنا ثابتون عليها لن تفلّ الأحداث بعونه تعالى من عزيمتنا أو تفتّ المصائب في أعضادنا، ولن يمنعنا بغي بعض أهلنا علينا من أن نبقى لهم خدماً، ولصالحهم عاملين . وسنبقى معهم كما قال المقنّع الكندي :
وإنّ الذي بيني وبينَ بني أبي
                                          وبينَ بني عمّي لمختلفٌ جِدا
فإنْ أكلُوا لحمي وفَرْتُ لحومَهمْ
                                         وإنْ هدمُوا مجْدي بنيتُ لهمْ مجْدا
وإنْ ضيَّعُوا غيْبي حفظتُ غيوبَهمْ
                                         وإنْ همْ هوَوْا غيِّي هويتُ لهمْ رُشْدا
وإنْ زَجَروا طيراً بنحسٍ تَمُرُّ بي
                                        زجرتُ لهمْ طيراً تمرُّ بهمْ سعْدا
ولا أحمِلُ الحقدَ القديمَ عليهِمُ
                                       وليس رئيسُ القومِ مَنْ يحملُ الحِقْدا
لهمْ جُلُّ مالي إنْ تتابعَ لي غنىً
                                      وإنْ قلَّ مالي لمْ أكلِّفْهُمُ رِفْدا
وإنّه لممّا يعزينا كذلك فيما نلقى من مجتمعاتنا من ساسة وأحزابٍ، قولُه صلى الله عليه وسلّم – عندما شكا له أحد الصّحابة ما يلقى من قومه، بقوله : (إنّ لي قرابةً، أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليّ) – : (إنْ كنتَ كما قلتَ، فكأنّما تسفّهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك) رواه مسلم .
 ولكنّنا نقول لأبناء قومنا – المخدوعين والمعادين للإسلام على جهالة، وكذلك للحكّام الذين يبغونها عوجاً بدفعٍ من أعداء الإسلام، كما قال ذلك الشيخ من بني عامر لقومه لمّا صدروا عن الموسم وقد عرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، الإسلامَ فأبوا وقد تملّكه الأسى عليهم أن كذّبوا رسول الله، بلى نقول لهؤلاء جميعا وذلك لمصلحتهم في الدنيا والأخرى – : هل لها من تَلافٍ، هل لذناباها من مطّلب، فأين رأيكم كان عنكم ؟! أي هل من إمكانٍ لإعادة الكرّة من الرّسول فنصدّق بما قال، وهنا أن تُصدق شعوبنا وحكامنا ما يقوله الإخوان فيربح الجميع ؟! أما نحن فباقون على عهدنا مع الله، متمسّكين بدعوتنا الطاهرة، داعين على الدوام : (ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ، وأنت خير الفاتحين) ...

إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى