Menu
الأحد 23 نيسان 2017

حروب روسيا من بنات الدولة الهجينة

حروب روسيا من بنات الدولة الهجينة
مارك غاليوتي-«وورأون ذي روكس» الأميركي
تشنّ روسيا نزاعاً سياسياً ضد الغرب من طريق تأجيج الاضطرابات السياسية والتغلغل الاقتصادي، والتجسس، والتضليل الإعلامي. وهذه الوسائل مرآة انتهازية روسيا الشرسة، على رغم ضعفها في سعيها الى أداء دور قوة عظمى في وقت لا تملك موارد مثل هذه القوة. 
ويعود الدور هذا الى إرث موسكو البولشيفي والقيصري. والى الإرثين هذين، وراء السياسة الروسية هذه عامل ثالث وراجح: طبيعة الدولة الروسية المعاصرة. وأبرز ما في الحملات الروسية الأخيرة، من العمليات والحملات السياسية ضد الغرب الى العمليات العسكرية في أوكرانيا، هو التباس الحدود بين الدولة والقوات غير النظامية والمرتزقة ونهج الخداع. فنظام بوتين يعتقد أنه في حرب مع الغرب - وهو نزاع حضاري وجيواستراتيجي. لذا، يتوسل بالأسلحة التي في متناوله. فهو يستنفد موارد المجتمع كله بدءاً من الاستعانة بـ «القراصنة الوطنيين» والمتحرشين على الإنترنت مروراً بالبنوك العابرة للدول والشركات والمتطوعين القوزاق، وصولاً الى عصابات المرتزقة.
وحين تناول ويليام نيميث مفهوم الحرب الهجينة في سياق حرب الشيشان على الروس، رأى أن جذور الحرب هذه تعود الى طبيعة المجتمع الشيشاني الهجينة، فهو معلق أو موقوف بين منزلتي اجتماع ما قبل الحداثة وبين اجتماع الحداثة. فبنى الاجتماع التقليدية، وتحديداً العائلة والعشيرة، استخدمت في تأجيج الحرب من غير تمييز بين أشكال الحرب «النظامية» و«غير النظامية»، وبين الحرب التقليدية والإرهاب. و«هجانة» العمليات الروسية هي مرآة هجانة الدولة الروسية. فمنذ تسعينات القرن الماضي وفي عهد البوتينية، أخفقت روسيا في إرساء أسس المؤسسات والاحتكام إليها، أو قد يجوز القول أنها نزعت الطابع المؤسساتي عن بناها. ويحكم روسيا نظام القائد الواحد، والصلاحيات الرئاسية فيه مفرطة ومنفلتة من كل عقال، والحدود فيه ملتبسة بين العام والخاص والمحلي والخارجي. ولسان حال الدولة البوتينية عدم الاحتكام الى حكم القانون والمحاسبة واحتكار أفراد أو مجموعات النفوذ في المؤسسات. كأن روسيا تحاكي قول موسوليني «كل في الدولة، ولا شيء خارجها، ولا شيء ضدها». وأرسل موسوليني ما يجوز تسميته «قمصان سود صغار» (كما يقال «رجال خضر صغار» في حرب أوكرانيا) الى إسبانيا في الثلاثينات للقتال مع فرانكو في الحرب الأهلية. وينظر، في روسيا، الى المؤسسات العامة على أنها إقطاعات شخصية، والبنوك على أنها حصالات، ويمارس المسؤولون أعمالاً تجارية.
وفي هذا السياق، لا مفر من إقحام أدوات غير عسكرية على شؤون عسكرية. والى وقت قريب، كانت روسيا البوتينية مؤلفة من أجهزة متداخلة، و«بيروقراطية متعددة المستويات» هي جسر الكرملين الى التفريق والسيادة. وهذا جليّ في مملكة الاستخبارات والأمن، والآية عليه تدخل جهاز «الاستخبارات الأمنية الفيديرالية» «أف أس بي» في العمليات الخارجية، والتنافس على عمليات المعلوماتية. وحين أنشئت «فرق معلوماتية» إثر الحرب على جورجيا، ندد الـ«أف أس بي» بتطوير العسكر الروسي قدراته في المجال هذا. وأوكل قرار رئاسي في 2013، الى الجهاز هذا صلاحيات ضمان أمن موارد المعلومات والإعلام الوطنية (المحلية). ومذّاك، يبدو أن احتكار خليفة الـ«كي جي بي» السوفياتي هذه الصلاحيات تآكل. فثمة أدلة كثيرة تشير الى أن وحدات الاستخبارات العسكرية الروسية تشارك في حرب المعلومات والإعلام في أوكرانيا.
وموسكو هي سيدة عالم الأعمال الهجينة، وتطوير شركات تجارية قانونية وغير قانونية تقوم، من جهة، بأعمال تجارية وتكسب الأموال، ومن جهة ثانية، تستخدمها الدولة لبلوغ أهدافها. والمؤسسات التجارية الروسية ليست قناعاً فحسب لأجهزة الاستخبارات ونشر المعلومات الخاطئة والتضليل، بل هي تبادر من تلقاء نفسها الى مثل هذه الأعمال، وتمول حركات سياسية واجتماعية تنظر إليها موسكو بعين الرضى. وتلقت مارين لوبان، رئيسة حزب «الجبهة الوطنية» الفرنسي المعادي للاتحاد الأوروبي، قرضاً مقداره 9 ملايين يورو من مصرف مقرب من حليف بوتين. وساهم مدير شركة «لوكأويل» الروسية، في تمويل عملية انتخاب الرئيس التشيخي المحب لروسيا، ميلوس زيمان - من طريق تبرع شخصي. ورأس حربة القتال الروسي في سورية مرتزقة هم جنود روس. وحين تقتضي مقتضيات الحرب الهجينة، تطلب موسكو خدمات عصابات الجريمة المنظمة. والعاصمة الروسية لم تتجاهل فحسب الحدود المتعارف عليها في الغرب بين المؤسسات العامة والخاصة وبين القطاعين العسكري والمدني، والقانوني وغير القانوني. لكن الحدود هذه لا تقوم لها قائمة في المعايير الروسية. وهذا الخلط بين الحدود هو خطر على روسيا نفسها. فـ«القراصنة الوطنيون» الذين تستأجر اليوم الدولة خدماتهم أو تجندهم، قد يسرقون من البنوك الروسية في المستقبل، وهم يرون أن دورهم في حرب بوتين المقنعة إجازة للإفلات من العقاب. والشركات التي تساعد الكرملين في تبييض الأموال وتوزيعها في أوروبا، تختلس الأموال من الموازنة الفيديرالية. وخلاصة الحرب الشاملة البوتينية هي: غياب القيود القانونية والأخلاقية على استعانة الدولة بمؤسسات غير عامة لبلوغ مآربها. وحري بموسكو أن تدرك الدروس التي تعلمها للغرب أو للصين أو لغيرهما. فروسيا بالغة الضعف أمام التكتيكات المقنعة والهجينة التي تستخدمها في الغرب. وفي إمكان أميركا وحلفائها خوض حروبهم السياسية في روسيا وشن هجمات سيبيرنيطيقية وتشديد العقوبات وشن حملات بروبغندا.

* باحث في معهد الشؤون الدولية في براغ

إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى