Menu
الأحد 23 نيسان 2017

عام الدهماء.. ما لم يكن متصورا أصبح ممكنا في 2016

عام الدهماء.. ما لم يكن متصورا أصبح ممكنا في 2016
ليونيل باربر- فاينانشل تايمز
في صباح يوم 21 حزيران، قبل يومين من الاستفتاء حول "خروج بريطانيا"، التقيت ديفيد كاميرون في مقر رئاسة الوزراء. وخلال حوار دام 25 دقيقة، أكد لي رئيس الوزراء أن كل شيء سيكون على ما يرام في تلك الليلة. لم أكن مقتنعا تماما.
حين أنظر إلى الأمر بعد حدوثه، أجد أن "خروج بريطانيا" رسم معالم 2016. كانت هذه هي السنة التي أصبح فيها ما لا يمكن تصوره ممكنا، التي اقتحمت فيها التيارات الهامشية التيار الرئيسي، ورُقّي فيها دونالد ترمب، قطب العقارات والمضيف التلفزيوني، ليصبح القائد العام الأعلى في الولايات المتحدة.
في مذكراته "كنتُ موجودا في تلك اللحظة" (1969)، يصف دين أتشيسون، وهو وزير خارجية أمريكي سابق، كيف أنه ورفاقه "من الحكماء" ساعدوا الرئيس هاري ترومان في بناء النظام الليبرالي الجديد القائم على القواعد بعد الحرب العالمية الثانية. 
تأسس النظام حول المؤسسات: الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وحلف الناتو. في عام 2016، وفي الوقت الذي رفض فيه ترمب حلف الناتو باعتبار أنه "عفا عليه الزمن" ووصف مستشاره، نيوت جينجريتش، استونيا بأنها ضاحية لمدينة سان بطرسبرج، يشعر المرء في بعض الأحيان كما لو كان حاضرا لحظة التدمير.
أتشيسون كان تجسيدا للمؤسسة في الساحل الشرقي. كان دبلوماسيا، ومحاميا وباحثا – أو "خبيرا"، إذا أردت. هذا العام تعرضت المؤسسة للهزيمة، وتعرض "الخبراء" للإذلال. معظمهم فوت إمكانية "خروج بريطانيا". وكثير منهم أعلنوا أن فوز ترمب مستحيل. مايكل جوف، أحد كبار مؤيدي "خروج بريطانيا"، أدرك المزاج العام "الناس في هذا البلد تعبوا وملوا من "الخبراء".
"خروج بريطانيا" وانتصار ترمب هما علامة على لحظة ثورية. ليس تماما مثل عام 1789 أو 1989، لكن بالتأكيد ما حدث يعتبر رفضا مدويا للوضع الراهن. اكتشف بعضهم أصداء تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، مع إلقاء ترمب بظلاله باعتباره فاشية وليدة.
كان عاما جيدا بالنسبة إلى الحكام الأقوياء: فلاديمير بوتين في روسيا، رجب طيب أردوغان في تركيا، وتشي جينبينج، الذي ترقى الآن إلى قائد "أساسي" في الصين. كانت سنة حتى أفضل للدهماء، الذين يسعون إلى إرضاء الجماهير، ومثيري القلاقل الذين يتغذون على العواطف والتحيز. في سنة الدهماء، تنافس عدة أشخاص لإشغال الدور الرئيسي: نايجل فراج، الذي كان في ذلك الحين زعيم حزب الاستقلال، وعراب "خروج بريطانيا" ومعاون ترمب. ورودريجو دوتيرتي، الوافد الجديد الوحشي إلى السلطة، الذي تعهد بذبح ملايين من مدمني المخدرات لتنظيف الفلبين؛ وترمب نفسه، الذي تعجب باستمرار من حجم حشوده.
مع ذلك، تشبيه هذا بمرحلة الثلاثينيات في نواح كثيرة يعتبر في غير محله، فنحن لسنا ولو من بعيد على أبواب الكساد العظيم. الاقتصاد الأمريكي يقترب من العمالة الكاملة. واقتصاد المملكة المتحدة شهد قبل "خروج بريطانيا" ارتفاع العمالة بما يزيد قليلا على مليوني شخص منذ عام 2010. الائتمان يتدفق، وأرباح الشركات في ارتفاع، والمشكلة هي أن مجموعات كبيرة من السكان، في كثير من الأحيان الذين يعيشون خارج المدن الكبرى، لم يشعروا كثيرا بالانتعاش الاقتصادي.
لم تسجل الدخول الحقيقية نموا في المملكة المتحدة على مدى العقد الماضي. في الولايات المتحدة 95 في المائة من الأسر كان دخلها في العام الماضي لا يزال أقل من دخلها في عام 2007، وفقا لبيانات "معهد السياسات الاقتصادية"، وهو مركز للأبحاث. في أوروبا، لا تزال البطالة مرتفعة في منطقة اليورو، خاصة في بلدان مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا. ومع ذلك استمرت ثروة أعلى 1 في المائة ("أصحاب الامتيازات من القلة"، بحسب شعار تيريزا ماي) في الارتفاع.
شيء ما أكثر عمقا يحدث في الديمقراطيات المتقدمة. القوى التي تفعل فعلها هي القوى الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مدفوعة في جزء منها بالتغير التكنولوجي السريع. الذكاء الاصطناعي، وتحرير الجينات، والسيارات ذاتية القيادة - التقدم حول كل هذه التكنولوجيات المبتكرة، التي فتحت آفاقا جديدة تماما، تسارع في عام 2016. كل واحدة منها تمكِّن الناس على نطاق واسع "فقد أعطى الهاتف الذكي صوتا للجميع"، لكنها أيضا معطِّلة على نطاق واسع "بالكاد بدأ الشعور بتأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف".
من الناحية السياسية، "خروج بريطانيا" وانتصار ترمب يسلطان الضوء على تراجع النظام الحزبي ونهاية الانقسام القديم بين اليسار واليمين. يسار الوسط يبدو كأنه يمر في تراجع نهائي. هذا الشهر استبعد فرانسوا هولاند، الذي هوت نسبة تأييده إلى ما دون 4 في المائة، ترشيح نفسه مرة أخرى لانتخابات الرئاسة في فرنسا. وكان لدى جيريمي كوربين، الزعيم اليساري المتشدد لحزب العمال البريطاني المعارض، كلام ليقوله عن وفاة فيدل كاسترو أكثر مما قاله عن "خروج بريطانيا" من الاتحاد الأوروبي. ماتيو رينزي، المصلح الذي يمثل يسار الوسط في إيطاليا، خسر بقوة في استفتائه حول الإصلاح الدستوري واستقال على الفور.
المحافظون، أو الديمقراطيون المسيحيون من يمين الوسط، كانوا أفضل حالا، لكنهم لا يزالون تحت ضغط من الهامش القومي المناهض للهجرة، من النمسا إلى إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، والمجر، وهولندا، وبشكل متزايد، بولندا. في عام 2016، شهدنا ولادة "الطريق الرابع" - نوع جديد من السياسة التي تركز على "السكان الأصليين"، والحمائية، وينعم في حنين ثقافي تم تلخيصه في تعهُّد ترمب بأن "يجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".
التطور الثاني هو خيبة الأمل على نطاق واسع من العولمة بين الديمقراطيات الغربية، وهي ظاهرة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تميزت بثلاثة اتجاهات: تحرير القوانين التنظيمية المدوي في الثمانينيات، في عهد ريجان وتاتشر؛ واتفاق جولة أوروجواي عام 1994 بشأن تحرير التجارة العالمية؛ والانتقال إلى اقتصاد السوق في الصين. التخلي التدريجي عن ضوابط رأس المال والسلع والخدمات والعمالة، الذي تجسد في إطلاق سوق أوروبية واحدة وعملة موحدة، وصل إلى ذروته في صيف عام 2007. وفي عام 2016 رأينا، أخيرا، أن هذه الفترة - لنسمِها العولمة 2 – قد انتهت.
أصبحت التجارة الحرة أصعب من أي وقت مضى من حيث تسويقها لجمهور يشعر بالقلق حول الأمن الوظيفي والتهديد التنافسي من البلدان النامية. ندد ترمب باتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ بين الولايات المتحدة و11 دولة مطلة على المحيط الهادي، وباتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية مع كندا والمكسيك. هيلاري كلينتون، التي كانت تؤمن بالتجارة الحرة، تراجعت. ولم يُقدِم أحد على التصدي لهذه الادعاءات ويقول إن المستهلكين في الولايات المتحدة، بمن فيهم كثير من ناخبي ترمب، اشتروا البضائع الرخيصة من "تارجت" ومتاجر "وول مارت" بفضل كفاءة سلاسل التوريد العالمية واليد العاملة الرخيصة في العالم النامي. كان العداء للتجارة الحرة هو الذي يجعلك تكسب الأصوات. فقط في اللحظة الأخيرة، بعد لي ذراع حكومة والوون الإقليمية في بلجيكا، تم إنقاذ اتفاق التجارة بين كندا والاتحاد الأوروبي الذي كان في طور التكوين لسبع سنوات.
حرية الحركة هي أيضا في موضع تساؤل. شهدت أوروبا الهجرة الجماعية على نطاق لم يسبق له مثيل منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي. في عام 2016 تم الحد من تدفق اللاجئين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بفضل اتفاقية تفاوضت عليها ألمانيا مع تركيا، لكن أرقاما قياسية من المهاجرين سافرت "وغرقت" في الطريق الغادر من وسط البحر الأبيض المتوسط إلى إيطاليا. وعملت الهجمات الإرهابية، ولا سيما في فرنسا، على ازدياد انعدام الأمن العام وعلاقة ذلك بالمهاجرين. كان هناك شعور بأن الحكومات فقدت إلى حد ما السيطرة على الحدود الوطنية والهوية الوطنية.
وهذا يفسر قوة التعهد الذي قدمه ترمب لبناء جدار "جميل" على الحدود المكسيكية، والتعليق الساخر الذي أطلقته تيريزا ماي أثناء مؤتمر حزب المحافظين في أيار (مايو) حول التعددية الثقافية الصحيحة سياسيا، "إذا كنت تعتقد أنك مواطن في هذا العالم، فأنت لست مواطنا في أي مكان". المخلصون للحزب في بيرمينجهام هللوا لقولها، لكن لندن العالمية، موطن مئات الآلاف من "الأجانب"، بمن فيهم مارك كارني، المحافظ الكندي لبنك إنجلترا، لم يجدوا ذلك مضحكا.
كشف الاستفتاء المتعلق بمغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي وجود فجوة اقتصادية ما بين الفائزين والخاسرين من العولمة، لكنه كشف أيضا وجود انقسام ثقافي بين الذين يشعرون بالارتياح إزاء وتيرة التغيير، بدءا من التكنولوجيا وصولا إلى زواج المثليين، وبين الذين يرغبون في إبطاء الوتيرة وإعادة اكتشاف جذورهم إما من خلال العرق، أو الدين، أو الهوية الوطنية.
الشعار الذي نادى به أنصار المغادرة في حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ "استعيدوا السيطرة"، كان بسيطا وفاعلا بشكل ذكي للغاية عبر الطبقات والأجيال. أحب الدستوريون فكرة استعادة السيادة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وأحب الجميع فكرة استرجاع المال من بروكسل وتحويل الوفورات إلى نظام الصحة العامة. وكان تضييق الخناق على موضوع الهجرة من المواضيع التي تجعلك تفوز في التصويت. لم يكن من المهم أن تلك الادعاءات كانت مضللة بشكل كبير "مثلما كانت ادعاءات معسكر البقاء التي كانت تقول إن كارثة اقتصادية وشيكة ستحدث في حال التصويت بالخروج من الاتحاد". طوال العام، كانت الحقائق عبارة عن مفاهيم مرنة.
في عام 2016، استيقظ العالم على "الأخبار المزيفة"، التي يرعاها الناشطون السياسيون، لكن أيضا بصورة متزايدة عملاء تابعون للدول. اتهمت وكالة الاستخبارات المركزية روسيا بأنها السبب في تسريب رسائل البريد الإلكتروني من اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، وهي محاولة وقحة وصادمة للتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. رفض ترمب هذه الادعاءات واعتبرها سخيفة، كذلك فعل مؤيدوه. طيلة هذه الدورة السياسية كان يبدو على كثيرين وكأنهم يعيشون في عالم متواز كانت فيه الحقائق خاضعة تماما للآراء. سكوتي نيل هيوز، إحدى أنصار ترمب ومعلقة في قناة سي إن إن، فسرت ذلك قائلة "هناك شيء واحد كان مثيرا للاهتمام في موسم الحملة الانتخابية كلها ويستحق المشاهدة، وهو أن الناس الذين يقولون إن الحقائق هي حقائق – لم تكن في الواقع حقائق. لكل شخص طريقة خاصة به - يبدو الأمر وكأنه يشبه النظر إلى التصنيفات، أو النظر إلى كأس مملوءة بالماء إلى النصف. لكل شخص طريقته في تفسير الأمور لتكون حقيقة أو لا تكون. لم يعد هناك شيء من هذا القبيل، للأسف، لنعتبره من الحقائق".
مرحبا بكم إلى عالم السياسة لما بعد الحقيقة المدفوع بكل قوة من قبل التكنولوجيا، مثل الهواتف الذكية. فالجهاز الواحد يسمح للأفراد أن يُسقِطوا في الوقت الحقيقي نسخة غير منقحة من الأخبار والآراء "غالبا ما يغلب عليها الطابع الحزبي بشكل كبير" عبر "فيسبوك" و"جوجل" و"تويتر". في الانتخابات الأمريكية وجدنا أن الصحافيين الذين كانوا يتمتعون بدرجة من الثقة باعتبارهم أشخاصا يشكلون الملاذ الأخير من حيث نقاء الأخبار، كان يتم الاعتراض عليهم بأصوات غاضبة، أو تم التقليل من شأنهم عبر "تويتر" باعتبارهم أشخاصا "مثيرين للاشمئزاز" أو "ذوي حجج واهية".
في المملكة المتحدة انتقد كل من معسكري الخروج والبقاء بانتظام هيئة الإذاعة البريطانية، التي حاولت أن تبقى حيادية. حذر تيموثي جارتون آش، أستاذ التاريخ في جامعة أكسفورد، من مخاطر "التحيز". كان الخطر يكمن في أن هيئة الإذاعة البريطانية، وفي سعيها إلى البقاء محايدة، يمكن أن تفشل في إعطاء المعلومات المفيدة، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية المعقدة. كتب قائلا "يمكنك منح فترات بث متساوية لحجج غير متكافئة، دون أن تجرؤ على القول، فيما يتعلق بهذا الرأي أو ذاك، إن أحد الأطراف لديه أدلة أكثر، أو كمية أكبر بكثير من الآراء الخبيرة، من الطرف الآخر".
حملة ترمب واجهت "وسائل الإعلام الرئيسية" بتحد من حجم مختلف. فقد اخترقت السمة الديماغوجية لدى ترمب كل المحرمات في الكتاب، حين صور المكسيكيين على أنهم "مغتصبون"، وطمس الفرق ما بين المسلمين التقليديين والإرهابيين المتطرفين، وهدد أيضا بسجن منافسته الديمقراطية.
شبكات التلفزة، خاصة "فوكس نيوز" التابعة لروبرت ميردوك، منحت ترمب مزيدا من فترات البث أكثر مما منحت المرشحين الآخرين. قال لي مونفيس، رئيس مجموعة الإعلام سي بي إس، مستهزئا "ربما لا يكون ذلك جيدا بالنسبة إلى أمريكا، لكنه بالتأكيد جيد جدا بالنسبة إلى شبكة سي بي إس".
فاز ترمب من خلال مهاجمة الحزب الجمهوري بقدر مهاجمته منافسته الديمقراطية. لم ينفق أي شيء من ماله الخاص تقريبا، وما أنفقه كان أقل من جزء بسيط من نفقات حملة هيلاري. وحقق الانتصار الأكبر.
لكن هيلاري كانت مرشحة تعاني قصورا كبيرا في وقت أراد فيه الأمريكيون إحداث تغيير - وليس استمرارا لرئاسة أوباما بسبل أخرى، أو عودة إلى سلالة بوش أو كلينتون. كانت تحظى بتصنيفات سلبية تبلغ عنان السماء، تماما مثل ترمب. لم تكن محبوبة، ولم تكن تحظى بالثقة، وكانت مراوغة. غرد ترمب عبر "تويتر"، ولسبب وجيه قائلا "هيلاري المراوغة".
في هذا الصدد، من المضلل أن نشير إلى أن المؤيد الطبيعي لترمب كان من الرجل الأبيض الغاضب الذي يتعاطى المسكنات الأفيونية من ولاية وست فيرجينيا. فقد صوت المتعلمون لمصلحة ترمب. وصوتت النساء لمصلحته أيضا. كتبت سالينا زيتو في مجلة أتلانتك، "تعامل أنصار ترمب معه بشكل جاد، لكن ليس بالمعنى الحرفي". على النقيض من ذلك، تعامل الليبراليون، بما في ذلك وسائل الإعلام، مع ترمب بشكل حرفي وليس بشكل جاد. ما يتجاهله هذا هو الضرر الذي ربما يكون قد ألحقه هذا الرجل الذي هو من أساطين المال بثقة الناس بالديمقراطية الأمريكية. فقد جعل لغة الخطاب المدني فجة. وأعلن أن النظام السياسي فاسد. حتى إنه ألقى ظلالا من الشك على شرعية الانتخابات ليس مرة، لكن مرتين، ورفض أن يؤكد قبوله بالنتيجة في حال عدم فوزه. في أواخر ربيع عام 2016، سافرت إلى هيوستن في ولاية تكساس، لتناول طعام الغذاء مع جيمس بيكر، وزير الخزانة الأسبق، ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق، وكبير موظفي البيت الأبيض في عهد رونالد ريجان وجورج بوش الأب. سألته عما إذا كان يمكن لأمريكا النجاة في عهد رئاسة ترمب. رد بيكر قائلا "نحن دولة قوانين تحد البيروقراطية من نشاطنا. الرؤساء ليسوا حكاما منفردين".
هذه الثقة في قوة المؤسسات الديمقراطية سيتم اختبارها في الأشهر المقبلة. يرغب ترمب في تفكيك تركة أوباما وإطلاق العنان للروح النشطة التي تتسم بها الرأسمالية الأمريكية. ورد الفعل الأولي في سوق الأسهم كان قريبا من الشعور بالنشوة. تعتبر السياسة الخارجية هي الخطر الأكبر. ترمب يرغب في انتهاج سياسة خارجية شعارها "أمريكا أولا"، من خلال إعادة التفاوض بشأن اتفاقيات التجارة وإلزام الحلفاء بدفع المزيد للدفاع الجماعي عنهم. عالمه يدور حول المال وليس القيم: أمريكا هي القوة العظمى الأنانية، كما وصفها روبرت كاجان.
انتصار ترمب يقدم العون للديماغوجيين المنتظرين في عام 2017، ولا سيما مارين لوبن، التي من شبه المؤكد أنها ستنجح في الوصول إلى الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة الفرنسية. وفوز لوبن في الانتخابات بعد مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من شأنه بالتأكيد أن يعني نهاية الاتحاد الأوروبي. وقد تشير الانتخابات في هولندا أيضا إلى حدوث تحول في اليمين. حتى في ألمانيا، تواجه أنجيلا ميركل، التي تتقدم لنيل فترة رئاسة رابعة، تحديا من اليمين الشعبوي المتمثل في حزب "البديل لألمانيا"، الذي سيجعل مهمة تشكيل ائتلاف حاكم أمرا بالغ الصعوبة.
سياسة ترمب الخارجية، التي تفترض أن الأفعال تلي الكلمات، أيضا تُبقي الباب مفتوحا على مصراعيه أمام القوة المتزايدة للصين. وتخليه عن اتفاقية الشراكة عبر الهادي - تكتل جيوسياسي فضلا عن كونه اتفاقية للتجارة – أثار قلق اليابان والبلدان المجاورة في المحيط الهادئ. أما خطابة المناهض للمكسيكيين فقد عمل على تقويض البيزو وبدأ اليساريون في أمريكا اللاتينية يتساءلون عما إذا كانت بكين رهانا أكثر أمانا بالنسبة إليهم. من بين دول البلطيق والدول الاسكندينافية، يعبر كثيرون عن قلقهم بشأن ضمان أن يدافع حلف الناتو عنهم في مواجهة زيادة القوة الروسية في ظل حكم الرئيس بوتين.
على مدى أكثر من قرنين من الزمن، كانت الولايات المتحدة منارة للقيم الديمقراطية، مثل التعددية السياسية والتسامح وسيادة القانون. في الجزء الأكبر من ذلك، كانت تقف إلى الجانب الصحيح من التاريخ. في عام 2016 أوصل الأمريكيون، وللمرة الأولى، إلى البيت الأبيض رجلا ليست لديه أي خبرة عسكرية أو حكومية. ومثل "خروج بريطانيا"، كان ذلك مقامرة شديدة الخطورة ذات عواقب لا يمكن التنبؤ بها قط.
النهج الذي يتبعه ترمب، المتمثل في أن الفائز يحظى بكل شيء، وعدم احترامه لحقوق الأقليات ينتهك أحد أركان الديمقراطية والمجتمع الحر، كما هو منصوص عليه في الورقة العاشرة من "الأوراق الفيدرالية" المكتوبة من قبل جيمس ماديسون، أحد الآباء المؤسسين. ويعكس موقفه مطالب أنصار "خروج بريطانيا" الأكثر تطرفا، المتمثلة في أن يتم احترام "إرادة الشعب" بأي ثمن. وأي جهة تثير اعتراضات - وسائل الإعلام، أو المعارضة، أو حتى السلطة القضائية - تتعرض لخطر أن يتم اعتبارها من "أعداء الأمة".
هذا ليس مجرد شعبوية منفلتة من عقالها. إنه رفض وإنكار للسياسة في حد ذاتها، التي، كما يذكرنا الباحث الراحل بيرنارد كريك، هي البديل الوحيد لحكومة تقوم على الإكراه وطغيان الأغلبية.

إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى