Menu
الخميس 19 كانون الثاني 2017

تحولات السياسة تلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي في 2017

تحولات السياسة تلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي في 2017
محمد العريان*- فاينانشل تايمز
في الأشهر الأخيرة من عام 2016، استجابت الأسواق المالية لانتخاب دونالد ترمب بأسلوب معروف ومتوقع تماما - ليس فقط على مستوى فئات الأصول، مع تحركات في أسعار الأسهم والعائدات على السندات الحكومية، بل أيضا في إطار فئات الأصول في الوقت الذي ارتفعت فيه أسهم الشركات المالية والدولار.
بفعلها هذا، كانت الأسواق تستجيب لتوقعات ارتفاع النمو والتضخم والتدفقات الداخلة إلى عقب إعلانات السياسة التي قدمها الرئيس الأمريكي المنتخب حول إلغاء الضوابط التنظيمية، والإصلاح الضريبي، والبنية التحتية. الأمر الأكثر إثارة للإعجاب حتى من ذلك، أن هذا حصل بأسلوب منظم على نحو ملحوظ، مع عدم أدلة تذكر على وجود ضيق بين المستثمرين، الذين لم يكن كثير منهم مستعدين لإعادة التسعير الحادة في الأصول المالية. 
ستبقى اقتصاديات ترمب عامل تأثير سوقيا مهما هذا العام، مع اهتمام المستثمرين بصفة خاصة بأمرين اثنين: الأول، الانتقال من الإعلانات إلى التصميم التفصيلي والتنفيذ المستدام. والثاني، النتائج، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمزيج المؤلف من ارتفاع النمو والتضخم، لكن بالنسبة إلى تطور التركيبة الثلاثية التي لها أكبر تأثير في رفاهية المستثمرين – وهي العائدات، والارتباطات، والتقلبات - سيكون هناك دور لأربعة مؤثرات أخرى من الاقتصاد الكلي.
أولها السياسة النقدية التي تتجاوز الاعتماد على البيانات. المستثمرون يتوقعون سياسة أكثر نشاطا في مجال المالية العامة، جنبا إلى جنب مع أرقام اقتصادية ثابتة نسبيا، وهذا يشجع موقف السياسة التي يعتمدها الاحتياطي الفيدرالي على أن يتطور إلى أكثر من مجرد الاستجابة لإصدار البيانات عالية التردد. وبالتالي ستصبح السياسة أكثر استراتيجية وأكثر ميلا للتشديد بشكل يتجاوز ما تتوقعه الأسواق.
الثاني هو إعادة التوازن المختل في السياسة العالمية. التشديد الذي سينفذه الاحتياطي الفيدرالي هو جزء من تحول تدريجي في السياسة بعد سنوات طويلة من الاعتماد المفرط على البنوك المركزية. وهذا يعتبر أمرا جيدا؛ لأن منافع السياسات غير المتوازنة آخذة في التراجع، بينما التكاليف والمخاطر آخذة في الارتفاع، لكن الولايات المتحدة فقط، مع اقتصادها الأقوى وحالات التعطيل التي تسبب فيها فوز ترمب، قادرة ومستعدة لهذا التحول.
في اقتصاديات آسيا وأوروبا، سيبقى بنك الشعب الصيني وبنك اليابان والبنك المركزي الأوروبي "اللعبة الوحيدة في البلاد" من حيث السياسة.
أما العامل الكلي المؤثر الثالث فهو التباعد وخطر الارتفاع الكبير فوق الحد للدولار. ازدياد التباين في السياسات والأداء الاقتصادي سيعملان على توسيع التفاوت في أسعار الفائدة وفرض مزيد من الضغوط التي تؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار. وفي الوقت الذي يهاجر فيه رأس المال الخاص بالأصول المالية الأوروبية والآسيوية إلى الولايات المتحدة بحثا عن عائدات أعلى، سيرتفع سعر صرف الدولار إلى أعلى مما يمكن للروابط الأوروبية أن تتحمله بشكل مباشر، ما يؤجج الخطاب المناهض للعولمة ويزيد من خطر الحمائية.
التعامل مع التزايد الهائل في معاداة العولمة هو العامل الرابع. الحركات غير التقليدية، في الوقت الذي تكون فيه مؤثرة في جانبي المحيط الأطلسي، ستكون لها على الأرجح آثار مختلفة. في الولايات المتحدة، مع عمليات كبح النفوذ القوية بين السلطات الثلاث للحكومة - التنفيذية والتشريعية والقضائية - ستحدث الاضطرابات السياسية بمقاييس اقتصادية مستقرة عموما. والحال ليست كذلك في أوروبا، حيث يتسع نطاق عدم القدرة على التنبؤ ليصل إلى المقاييس الاقتصادية الأساسية، من إعادة تصميم العلاقات التجارية للمملكة المتحدة وصولا إلى الضغوط الوطنية المتزايدة في فرنسا وهولندا وألمانيا، الأمر الذي يعيق التعزيز المطلوب للتركيبة الإقليمية.
كل هذا ينبئ بحالة عدم اليقين غير العادية التي سنشهدها عام 2017 في الوقت الذي تستجيب فيه الأنظمة الاقتصادية والسياسية لسنوات طويلة جدا من النمو الذي كان بطيئا جدا، والذي لم يكن شاملا بشكل كاف. كما أنها تطرح تساؤلات صعبة تتطلب الإجابة عنها حذقا ومهارة من المستثمرين. سيكون هناك مزيد من التحدي للأدوات التقليدية المستخدمة في التحليل والتوقع، خاصة عندما يتعلق الأمر بعمليات تخصيص المحافظ التي ستكون معرضة للتغيير.
يعتمد توسع نطاق الاندفاع الصعودي الناتج عن انتخاب ترمب على كيفية حكم الإدارة مقارنة بالوعود الانتخابية التي قدمها. فيما وراء ذلك، يتطلب الأمر أن تتغلب بلدان أخرى على الرياح المعاكسة التي تشكلها عوامل اللبس السياسية للانضمام إلى عملية إعادة التوازن في الخليط الذي يجمع بين سياستها النقدية وسياستها في المالية العامة، في الوقت الذي تسعى فيه لتحقيق إصلاحات هيكلية داعمة للنمو.
في الوقت نفسه، يحسن المستثمرون صنعا إن هم حجزوا بعض الأرباح أثناء إعادتهم التوازن إلى عملية التعرض للمخاطر بحيث تكون لمصلحة القطاعات التي تخلفت، وأيضا لمصلحة الأسواق الناشئة ذات الميزانيات العمومية القوية، وحالات عدم التطابق المحدودة بين العملات والإدارة السليمة.

* كبير الاستشاريين الاقتصاديين لدى "أليانتز" ومؤلف كتاب "اللعبة الوحيدة في المدينة".

إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى